صديق الحسيني القنوجي البخاري

490

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَكانُوا أي والحال أنهم كانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وأطول أعمارا وأكثر أموالا وأقوى أبدانا فما نفعهم طول المدى ، وما أغنت عنهم شدة القوة . وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ أي ما كان ليسبقه ويفوته شيء من الأشياء كائنا ما كان فيهما ، وهذا تقرير لما يفهم مما قبله من استئصال الأمم السابقة . إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً أي كثير العلم كثير القدرة لا يخفى عليه شيء ولا يصعب عليه أمر ، وهذا تعليل لذلك التقرير . وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا من الذنوب وعملوا من الخطايا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها أي الأرض مِنْ دَابَّةٍ من الدواب التي تدب كائنة ما كانت ، أما بنو آدم فلذنوبهم ، وأما غيرهم فلشؤم معاصي بني آدم وقيل المراد : ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب من بني آدم ، والجن . وقال بالأول ابن مسعود وقتادة ، وقال بالثاني الكلبي ، وقال ابن جريج والأخفش والحسين بن الفضل : أراد بالدابة هنا : الناس وحدهم دون غيرهم . أخرج الفريابي وغيره عن ابن مسعود قال : إنه كاد الجعل ليعذب في حجره بذنب ابن آدم ، ثم قرأ هذه الآية قيل : وجه الملاءمة بين الشرط والجزاء أنه تعالى إذا كان يؤاخذ الناس بما كسبوا كان ينقطع عنهم النعم التي من جملتها المطر ، فإذا انقطع عنهم المطر انقطع النبات فيموت جميع الحيوانات فهذا كناية أريد بها الملزوم وقوله : على ظهرها فيه استعارة مكنية قال قتادة : وقد فعل ذلك في زمن نوح ، وقال يحيى بن سلام . يحبس اللّه المطر فيهلك كل شيء وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو يوم القيامة . فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً أي بمن يستحق منهم الثواب ومن يستحق منهم العقاب وفي هذا تسلية للمؤمنين ووعيد للكافرين والعامل في فَإِذا هو : جاء لا بَصِيراً .